الإسلام و تحديات النظام العالمي الجديد
النظام العالمي الجديد مفهوم جيوسياسي اكثر عدالة نادت به الدول النامية اثر انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بزعامة العالم منذ خمسينات القرن العشرين. و خصوصا إثر انهيار المعسكر الشرقي 1990.

ما هو النظام العالمي الجديد؟
حسب المفهوم القديم فهو مجموعة من المقترحات التي عرضتها الدول النامية لإنهاء الاستعمار الاقتصادي والتبعية من خلال اقتصاد عادل جديد. أقرّت وثيقة NIEO الرئيسية بأن النظام الاقتصادي الدولي الحالي “قد تأسس في وقت لم تكن فيه معظم الدول النامية مستقلة وفاعلة، مما يكرس عدم المساواة”.
تراجع نظام العولمة
انا لا ادافع عن نظرية المؤامرة. و لكن الحقيقة الجلية أنه خلال العقود الأخيرة عرف العالم الغربي تراجعا كبيرا في الميدان الإقتصادي و الاجتماعي و الأخلاقي.
منذ أزمة 2008, ثم شهدنا احداث غير مسبوقة خاصة منذ 2019، كوفيد 19 و التغير المناخي و التضخم الإقتصادي في كبرى دول الغرب.
لتكشف بداية ضعف (الركود الناعم) و أفول شمس حضارة العم سام التي استمرت لأزيد من أربعة قرون! ثم العودة الآن إلى عالم متعدد الأقطاب.
أسباب التراجع الحضاري للغرب
إذا عدنا الى السياق التاريخي منذ بداية الألفية الثالثة، و رغم التطور التكنولوجي المبهر في الولايات المتحدة الأمريكية، لاسيما في تكنولوجيا المعلومات و الإنترنت و الخدمات الرقمية، و حتى في استكشاف الفضاء، إلا أن ذلك لا يخفي المرض المزمن لهذه الدولة و حلفائها.
و لعل أبرز الأخطاء التي اتركبتها و الأسباب الخارجية لضعفها هي:
- تورطها في سلسلة من الصدامات بين العالم الإسلامي في العراق ثم ضد الحركات الإسلامية منذ 2001 المتشددة بزعمهم (مع أني ضد كل مظاهر العنف).
لتستغل الصين فرصة انشغال امريكا بالصراعات فتبني قاعدة صناعية ضخمة منذ سنة 2000 تقريبا.
- اختلالات نظام العولمة و الانفتاح المطلق على العالم، و تجاهل الخصوصية المحلية للشعوب.
مما سمح للصين و باقي الدول الكبرى لنقل او التجسس على تكنولوجيا الشركات الغربية المتعددة الجنسيات على غرار أبل و nvidia..
و لكن السؤال المنهجي الذي يهمنا كمسلمين هو أين محل العالم الإسلامي من الإعراب في هذا العالم المعاصر؟
لمزيد من التفصيل راجع التحديات الحضارية ومستقبل نهضة العالم الاسلامي
أسباب ظهور النظام العالمي الجديد
تحليل الوضع الجيوسياسي و الإقتصادي العالمي
يخشى جيمي دايمن المدير التنفيذي لاكبر مؤسسة مالية في امريكا JPMorgan من خمس مخاوف تهدد النظام الدولي القائم منذ 80 عام:
- النزاعات الجيوسياسية و هي اكبر مخاوفه.
- فقد السيطرة على التضخم، كما حدث في سيناريو السبعينات المرعب.
- الانقسامات و الصراعات الداخلية في الدول الكبرى.
- ازمة الفائدة.
- تهديد النظام الديمقراطي الامريكي من الداخل كظاهرة ترامب.
كما هو ظاهر للعيان و تشهد عليه الأحداث منذ بداية القرن الحالي ، فإن العالم متجه نحو نظام جديد متعدد الأقطاب، مع بداية ظهور بوادر الضعف الإقتصادي و حتى السياسي للولايات المتحدة الأمريكية و حلفائها في أوروبا و آسيا.
و ظهر ذلك جليا مع هشاشة المنظومة الصحية و الإجتماعية إثر الكوارث المناخية و الأزمات الإقتصادية 2008 ثم أزمة سلاسل التوريد و التضخم منذ 2022 حيث لجأت البنوك المركزية في كبرى دول العالم الغربي الى خطأ فادح و هو رفع سعر الفائدة(الربا).
كما يحذر الكثير من خبراء الاقتصاد على غرار خبير في جامعة السوربون، و معلوم أن الربا محرمة بنصوص صريحة في الديانات السماوية الثلاث.
تكنولوجيا و اقتصاديا
منذ نهاية تسعينات القرن الماضي و بداية الألفية الثالثة ، تطور اقتصاد العالم إلى اقتصاد المعرفة. مع ظهور الرقمنة و ووسائل الاتصال المتطورة كالأنترنت السريعة و الهواتف الذكية مثل Iphones ، و الذكاء الاصطناعي على غرار الروبوت و drones ذات الاستخدامات المختلفة : العسكرية و البيئية و العلمية.
لا شك ان هذه الوسائل سهلت و غيرت نمط المعيشة اليومي للأفراد و المجتمعات . و إن كان لها محاسن كبيرة فإنها لا تخلو من مساوئ حسب نية المستخدم و دوافع الحكومات الإيديولوجي أحيانا.
النظام العالمي الجديد و الإسلام
واقع العالم الاسلامي
منذ نهاية السبعينيات و مع ظهور الجيل الثاني أو الثالث من المجددين و المصلحين في مختلف المجالات ، و أقصد المنهج السني الوسطي و ليس الحركات السياسية المتشددة و الضيقة النظر.
فإنه للأسف لم تصل الصحوة الإسلامية إلا إلى إجتهادات بعض المصلحين و العلماء ذات الطابع الشخصي هنا و هناك في المجالات الدعوية و العلمية ، في البلاد الإسلامية و في المهجر في الدول الغربية للأسف .
واقع العالم الإسلامي العقائدي و الفكري
- أبدأ بأهم مجال و أخطره و هو العقيدة، لقد طال الأمد على الأمة الإسلامية منذ أن تركها رسول الله عليه السلام على عقيدة التوحيد الصافية و على المحجة البيضاء.
- فرغم انتشار وسائل التعلم التقليدية و الرقمية ،فقد ضعفت عقيدة التوحيد لدى الجماهير.
- انتشار ظاهرة التطرف و الجماعات السياسية.
مستقبل العولمة في نظام متعدد الأقطاب
بالمقابل اتخذت الدول الغربية بزعامة الو م أ شعارات العولمة البراقة و الحريات و حقوق الانسان فهل صحيح حقيقة العولمة بهذا الوجه الجذاب؟ لا شك أن سياسة الكيل بمكيالين تجاه الشعوب الضعيفة و المضطهدة على غرار الشعب الفلسطيني التي احتلت أراضيه غصبا.
و احتكار ثلة من الدول الغنية لمعظم ثروات العالم في حين لا تزال نسبة كبيرة من مجتمعات العالم الثالث تحت مثلث الفقر و المرض و الجهل ، هذا يناقض الشعارات البراقة لديمقراطية العولمة.
و قد اختلف زعماء و مفكري العالم في رؤيتهم للعولمة.
فزعماء الدولة الوطنية يرون في العولمة تهديد مباشر لخصوصية الأوطان و الشعوب. و يرى اخرون انها ترويج لعالم افضل مع تطور الرقمنة و الاتصالات حتى صار العالم قرية صغيرة.
و قد كشفت التطورات الأخيرة بين روسيا و الغرب ضعف المعسكر الغربي و ابدت معالم أفوله.
رأي الإسلام من العولمة؟
في الحقيقة الإسلام الوسطي لا ينحاز لا لأصحاب الدولة الوطنية و لا للعولمة!
ولكي نفهم هذا نعود الى سياق التاريخ :
ففي أيام ازدهار الخلافة الإسلامية لم ينحصر النظام السياسي في حدود قطر جغرافي معين او شعب معين بل امتد من الهند الى المحيط الأطلسي بالمغرب و الاندلس، و مع ذلك حافظ على خصوصية الشعوب و هويتها ،على راسها الإسلام و اللغة الخ.
قال الله تعالى : (و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله اتقاكم )”الحجرات” .
و لم تذوب ثقافة و خصوصية الشعوب كما هو الحال في العولمة. أي ان الإسلام نظام وسطي يحافظ على الخصوصية مع الانفتاح على محاسن الثقافات و تجارب القوى العالمية الأخرى.
خاتمة:
فعلى دعاة العولمة ان يقيدوها و يهذبوها ، كي تصير عالمية او عولمة تحترم خصوصية الشعوب و اصالتها كما فعل الإسلام المعتدل.
